تمثل الثقافة مجموعة القيم والمبادئ التي تشكل الوعي الفكري للفرد , و تؤطر هويته وسلوكه الاجتماعي مما يميزه عن غيره من أفراد المجتمعات الأخرى .
وفي سياق بناء الشخصية الإسلامية السوية , واجه المجتمع السعودي مؤخرا خصوصا الجيل الجديد منه , حالة من التغريب الجماعي المنظم الذي يكاد أن يقضي على ثقافته الإسلامية من خلال مستويات عدة لعل من أبرزها الغزو الثقافي والتدفق ألمعلوماتي الحر والتأثير الإعلامي للحضارات الوضعية , التي تزامنت مع حالة عجز فكري وثقافي في الساحة الثقافية السعودية فضلا عن جمود أنظمة التربية والتعليم عن إحلال البديل العلمي و المعرفي على نحو معاصر , حيث اتخذ الاستعمار الفكري الغربي من العلوم العصرية مساراً له لاستقطاب أبنائنا , بدءا من القيم الدينية والاجتماعية إلى أنماط العيش العصرية والعلاقات البينية والإباحية الثقافية والدينية والفكرية , لتكون صورة المجتمع مطابقة للمجتمعات المتقدمة في جانبها السلبي , لا جوانب القوة السياسية والاقتصادية و التقنية والعسكرية , مما يعني تكريس مشكلات الحضارة الغربية وويلاتها أللإنسانية دون محاسنها وحسناتها النفعية .
والمطلع على حصادهم الثقافي , يقف على عمق الهوة التي تفصل بين الرؤية الكونية للثقافة الإسلامية , والحراك الثقافي الذي ولدته مثاقفة الغالب للمغلوب , حيث لم يكن الوعي بمفرده الذي خضع للاستلاب والتغير , وإنما جوهر القيم والأخلاق ومستويات التفكير الحر , خصوصا في ظل فلسفة التعليم والتلقين القائمة , التي تقيد من حرية المتعلم في التفكير والنقد الموضوعي للمعرفة التي يتلقاها , مما عمق من حالة التبعية والإذعان للعلوم الغربية , فالمتعلم في نظم التربية والتعليم القائمة , لا يخرج عن كونه كائن متلقي للمعرفة لا مشارك في صنعها أو تقديمها أو تقيمها , ولعل ذلك ما يبرر حالة الاستلاب الثقافي أمام الغزو الفكري عبر فضائه الشاسع وما آل إليه من مخاطر في ظل غياب الفعل الجماعي المدروس للصمود الثقافي مع الانفتاح الآمن والسليم على الثقافات والحضارات الأخرى بحسب الحاجة وبما لا يتعارض مع الهوية الثقافية والفكر الإسلامي .
وجراء حالة الجمود الفكري وما أوجدته من فراغ ثقافي وفكري فضلا عما أفضت إليه العولمة من امتزاج مفرط بين الثقافات , وانتقال الأفكار والمعارف بطريقة غير متكافئة , نجد أن الكثير من الثقافات التغريبية الوافدة , أوجدت حالة من التبعية والاستلاب الفكري لبعض أبنائنا بل ولدى البعض من مثقفينا , وفقدان الخصوصية و معالم الهوية الإسلامية .حيث دفعت تلك المعضلة الثقافية والإعلامية و التربوية بأبعادها الأخلاقية والروحية والإنسانية بعض من أبنائنا إلى متاهات عقائدية في تجاهل للدين سواء في أصوله ومناهجه الشرعية أو تطبيقاته الاجتماعية والسياسية , حتى أمسى الجانب العقائدي معها لدى البعض من قبيل الشأن الشخصي الذي لا يخضع لمنطق البرهان الاستدلالي العقلي , ومن ثم هو أقرب للخرافة من العلم , وباتت معه القيم والأخلاق والمثل والمبادئ الإنسانية المًشكلة للشخصية السليمة والسوية للفرد , أبعاد متغيرة وغير ثابتة لصعوبة تقديرها بالكم , ومما زاد من خطورة الوضع الانتقال المتوالي للأفكار والثقافات والمعتقدات , واختزالها في الثقافة الغربية , لتكون محورا لثقافة عالمية علمانية موحدة سيما مع غياب النظم التربوية المتقدمة البديلة لتلك الثقافة في المنظومة العربية والإسلامية .
لذا كان من الأهمية بمكان , التأكيد على أن رسالة الأهل والمربين في علاج علة الفكر : انحرافا , واعوجاجا , ومرضا , بقصد إصلاحه و تقويمه لدى النشء , قد لا تعالج بالوعظ الديني والنصح الإرشاد فحسب , رغم أهميتهما لكن دون التعويل الكامل عليها , إذ تظهر الحاجة ماسة إلى المعالجة العقدية والفكرية بالاستنطاق الفكري والتوجيه العقلي لا العاطفي , تساوقا مع المعالجات النفسية والاجتماعية , لأن الوعظ والإرشاد والنصح كما يؤكد علماء النفس يخاطب العاطفة والأحاسيس لدى الإنسان , وسرعان ما يتلاشى تأثيرها بزوال المؤثر , كونها لا ترتقي إلى مخاطبة وجدان الفرد وجوهر فكره وزواياه الخفية المتحكمة في سلوكه المنحرف , ولنا في رسول الله أسوة حسنة عند مخاطبته وجدان وفكر الفتى الذي طلب منه أن يأذن له بالزنا وصرفه عنه بالاستنطاق العقلي والفكري " حديث صحيح " .
هذا في حال التعامل مع المنحرفين أخلاقيا على مستوى الأسرة و المجتمع المحلي , أما من حيث انحراف العقيدة مثلا كذوي الفكر الضال بفعل عامل التحريض والتأثير الخارجي , فأن العلاج بالدين والوعظ والتخويف والتهديد من عقاب الله لا يجدي معهم في الغالب نفعا , كما يؤكد الدكتور عادل الشدي في دراسته المعنونة " مسؤولية المجتمع عن حماية الأمن الفكري لأفراده " كون أمثال هؤلاء يرون أنهم على جادة الحق والصواب والدين الصحيح , ومن ثم يتولد لديهم شعور كبير أن عظم تقربهم إلى الله يكون بحجم ما يصيبهم من الأذى والنكال والتعذيب في مسيرتهم المناهضة لزعزعة أمن واستقرار المجتمع , لذا نجد أن أسلوب الوعيد والتهديد للعودة إلى جادة الحق والصواب , لا يزيدهم إلا إصرارا وإقداما على ما هم فيه من انحراف فكري وعقائدي إلا من رحمه الله .
الأمر الذي يستلزم تطوير أساليب المعالجات العقدية والفكرية , وإتباع أسلوب المجادلة الحسنة في توجيه الأبناء وتربية ذاتهم , منعا لإلقاء المفاهيم والأفكار والمواعظ والعبر بشكل تلقيني خالي من روح المناقشة والمشاركة البناءة , لتوضيح ما خفي أو غاب من مقاصد الهوية الإسلامية , فالمشاركة في استقراء واستنباط الأحكام للوصول إلى المقاصد من شأنه تعزيز وترسيخ القيم والمبادئ الإسلامية , كون المتلقي شارك في استنباط الحكم ومن ثم فهو أكثر تمسكا به , وينبغي هنا مراعاة اللين والرفق في حال عدم وجوب الشدة مع الحزم وعدم التساهل حين توجب الشدة .
نشر بتاريخ 11-06-2010 |